أنا "أكتب" إذن أنا "موجودة".
"ربما انقلبت هذه
المقدمة التي أردتها توطئة لكتابٍ عن السيرة الذاتية، إلى ضربٍ آخر من السيرة
الذاتية! وهذا صحيح، فمعظم ما نكتبه لو تدبرناه، موصولُ العرى بـ"أحوال
أنفسنا" ... ومشدودٌ إلى السيرة الذاتية بأمتن الوشائج".
-
عبروا
النَّهر مرتين، حسين محمد بافقيه، ص18.
يتكرر في أغلب السيَّر
الذاتيَّة السؤال: لِـمَ يستحق هذا أن يحكى، ما أهميته؟، أو "ما للنَّاسِ
وحياتي؟" على حد تعبير أحمد أمين، ولعله السؤال ذاته الذي أرهقت نفسي بحثًا
لإجابة عنه، لأبرر لفعل الكتابة، كما لو أني أقترف ما لا يجب بي اقترافه، كتبت
تدوينات سابقة وحذفتها، نصوص كثيرة أتلفتها؛ فما للناس وحياتي؟
ليس لأني لا أرى في
حياتي ما يستحق أن يذكر -وإن كان هذا صحيحًا نسبيًّا-، لكن فكرة أن كثيرًا من
الأعين تقرأ لي، تحللني، وتلاحظ تقلباتي يريبني، وإلا فإن الكتابة مغرية، يغري
أكثر أن أكون ملاحظة، أن أقول أني هنا، أني لست شفافة وغير مرئية، لست عاجزة ولا
قليلة حيلة، لكني آثرت الاختباء لوقت وراء أسماء مستعارة كثيرة. وإن كان اختباء
معرقلًا! أنا نفسي عرقلته في أوقات عديدة.
عرقله جانب أناني مني،
يريد الظهور رغم خوفه مما قد يطاله من وراء هذا الظهور، فالكتابة عن النفس منحدر
زلق، أقول في نفسي: ربما جعلت من هؤلاء كلهم شهودًا على "غربلتي"
النفسية!، هكذا، سيطيب لهم أن يختصروني في كلمة أو كلمتين، أن يخضعوني "لتغريدات" الأطباء
النفسيين، أو أن يصفوا لي "مختصًا بالطاقة" يساعدني لأصلح من ذاتي، ويساعدني
في رحلة التشافي بطاقة الكون، فإن كانوا أكثر إيمانًا سيلحون علي بأن أحسن من
علاقتي مع الله -هذا في أحسن الأحوال طبعًا-، أو يدلوني على من "يقرأ"
عليّ في أسوئها، وهو ما لا أطيقه طبعًا!
إن الإجابة "المثالية"
على سؤال جدوى الكتابة، هي أن أرى نفسي تتشكل عبرها، أن أجمع هذه النتف الصغيرة من
النصوص، لأرى الصورة الأكبر مني، وأعرفني، مني ومن الآخرين، لأن الإنسان قد لا يعرف
ذاته إلا بالآخر، بحب أو بكره منه!
لكن الإجابة التي يمكن
وصفها "بالواقعية"، أني -ربما وأقول ربما!!- لا أكتب فقط لاكتشاف نفسي
وأن أرى الصورة الواضحة مني وكل هذا الهراء النفسي، -أعني لو كان كذلك لاحتفظت بما أكتب
لنفسي، فما الداعي لمشاركة هذه النصوص مع الملأ القارئ؟-؛ إنها أيضًا محاولة
لتجربة الكتابة والنشر، كما هي محاولة بائسة للحصول على وظيفة تغدق علي بضع ريالات،
وترحمني من تهم "العطالة"؛ بكتابة نصوص تدعي العمق! ربما!
أتخيل السخرية الخفية
التي تقرأ بها هذه التدوينة عزيزي القارئ، أنا أيضًا أرى "سيزيفية" هذه الحالة،
أعني.. أني أعرف لعبة ادّعاء التعقيد، بالمعنى السلبي للفظة "اللعب"،
كما يعرفها الكثير غيري، ولكن ما عساي أفعل؟! أعلي -احتياطًا- ستر رغبة "الارتزاق"
بالكتابة؟ وأن أعيد كتابة هذه التدوينة؟
على كل حال.. أفضل المحاولة
على الندم، سأقول بأن هذه المدونة، مكاني لمعرفة نفسي، و"لاسترزق" بالكتابة،
ومنصتي التي أقف عليها ليراني العالم.
5 أبريل 2023م.

تعليقات
إرسال تعليق