الإنسان الخائف يكتب: "المقاومة بالكتابة".
المحاولة الأولى لتفكيك رزمة المخاوف الخاصة بي:
1- الخوف من الفشل.
يعد الخوف أكثر المشاعر طبيعية؛ ينشأ الواحد منّا فيتكون لديه مفهومه الخاص عما يهدد ذاته، فيبتكر أسلوبه وطريقته الخاصة لتجنب هذه "المخاطر"، وحماية ذاته منها، وهي خارجية في الغالب.. يمكن حساب ضررها ومعرفة أبعادها، ثم التعامل معها، ويكون ذلك إما بمواجهتها أو الهروب منها، يبدأ الخوف "الطبيعي" معها وينتهي بانتهاء أسبابها.. لعله تعريف الخوف "الطبيعي" إن كنت سأعرفه؛ إنه خوف فطري، لكن الخوف الذي أعنيه.. خوف مرضي، مركب، ومظلم؛ "فهذه المخاوف تتسرب إلى الحياة بأسرها وتغمرها، فتصل إلى كل ما في الجسم والعقل، وتحوّل الحياة إلى لعبة متواصلة لانهائية من لعبة (الغميضة)، لعبة تؤدي فيها لحظة من الغفلة إلى هزيمة ماحقة"[1]، إنه حالة من الخوف غير المبرر، من اليقظة الدائمة، والتلفت المستمر، من ملاحقة الاحتمالات دون التعرض لتهديدات واضحة، يتحول هذا الخوف مع الوقت إلى سمة طبيعية للإنسان الخائف، إنه خوف داخلي، لا ينشأ استجابة لخطر خارجي يمكن التعامل معه، ولا يمكن التعبير عنه، عادة يتجلى في صورة قلق، أو خزي، أو عار؛ إذ يرى الإنسان الخائف نفسه شيئًا غير قابل للإصلاح؛ ولذا يتعامل مع خوفه بوصفه "سرًّا" يتجنب الإفصاح عنه، وأحيانًا مواجهته ومناقشته عبر إنكاره؛ فقد ينكر الإنسان الخائف خوفه ليحمي نفسه من منشأ هذا الخوف كما أتصور، إذ لا يريد أن يفكر بأنه قد تعرض لما تعرض له من ألم.. جعل منه إنسانًا خائفًا.
ملاحظة: هذه الكتابة محاولة لفهم هذا الشعور (الخوف)، تتبعه، وكشف الغموض الذي يلفه؛ إذ ربما أتمكن أنا أو أنت عزيز القارئ من قبوله والتعايش معه، مع العثرة التي تسكن المعدة؛ إما لتخفيف ضرره على حياتنا اليوميَّة، أو لنفهمه لمجرد الفهم، لا أكثر.. إذن، هذه الكتابة لا تقدم وصفات جاهزة للتحرر من الخوف؛ فعلى كل واحد منا أن يجد سبيله للنجاة، لكنها محاولة لنبشه، وتفكيكه، وإقلاق راحته.
أتخيّل أن لكل شخص تركيبة شعورية معينة، شيئًا يشبه بصمة الإبهام، تميز كل إنسان عن آخر، اكتسبها من تراكماته.. طفولته ومراحل شبابه ومراهقته، نجاحاته وانهزاماته. وعندما أتأمل تركيبتي الشعورية، أرى أن العنصر الأبرز فيها هو: الخوف؛ لأنه الشعور الأكثر أصالة وتعمقًا في نفسي، حتى أن اسمي قد ارتبط بصفته، ينادون: "الخوّافة" وأجيب مباشرة ودون استنكار، إنه شيء يمكن ملاحظته دون عناء. مم أخاف؟ سؤال مهم.. سألتني صديقتي مرة... وأذكر بأني أجبتها بأني لا أعرف.. لأنها رزمة.. رزمة من المخاوف، الآن عندما أتأمل إجابتي هذه، أجد أنها ذات الطريقة التي تعاملت بها مع مخاوفي.. على أنها كلّ، لم أفككها أبدأ، لم أجرؤ إلى النظر إليها واحدة واحدة، وحين سألت نفسي: ما الأشياء التي تخافين منها؟ ولماذا تخافين منها؟ وما الذي خسرته بسببها؟ لا أعرف إجابات واضحة، المسألة معقدة.. وما يزيد تعقيدها صعوبة فهما والربط بينها، ولكن وعلى كل حال أظن أني اختبرت الخوف أكثر من اللازم، وعرفته أبكر من اللازم، وأظن أيضًا ومن ناحية أخرى أني في أعماقي.. أملك لمخاوفي خط سير زمني واضح، وربما ذكريات بائسة لكلّ منها.. لكن عندما أريد الكلام عنها.. تختفي.
كتبت في التدوينة السابقة عن الكتابة، وأظن أنها كتابة أملاها أحد مخاوفي.. وإن كنت غير واعية له وقتها، ولعل هذه أبرز طبائع الإنسان الخائف؛ أنه يفكر بمنطق خوفه طوال الوقت، وأنه يتصرف وفق ما يمليه عليه خوفه، ولذا سأقول بأني بعد كتابة التدوينة السابقة أمسكت طرف خيط عن مخاوفي، وليكن الخوف الأول: الخوف من الفشل.
لا أكتب أحيانًا لأني خائفة من الفشل، وإن كتبت لا أنشر شيئًا؛ لأني أخاف من وضع نفسي في أماكن غير مألوفة، لا يمكنني توقع "المخاطر" التي قد أتعرض لها ولا التنبؤ بالمتغيرات في الجو العام فيها. كما أني أخاف من الأشخاص الذين ينظرون إلى نصوصي بعين "الفاهم" و"الخبير"؛ لأنهم سيرون هفواته واضحة، النص طريق لكاتبه.. طريق لي.. هذا يعني أنهم سيروا "الهفوات" في ذاتي أنا، ووجودها بي "فشل" من نوع ما، شيء يشبه العار، تثيره رغبة خفيّة بالكمال، إنها معادلة الكتابة عندي ربما.. فأن أكتب يعني أن أعرض نفسي لكشف ما استميت لستره، أن يكون فشلي مرئيًا، أن يكون "نقصي" مرئيّا، إن تعمقت أكثر.. ربما أخشى أن يتعامل معي الناس حسب نقصي هذا، أن يكون احترامهم لي متعلق بهذا النقص.. أني أرغب في مكانة اجتماعية ما، أخشى أن يتسبب نقصي/ فشلي في حرماني منها.. ربما هذا ما يفسر بقاء نصوصي في خانة "المسوّدات" وقتًا طويلاً دون أن أفكر في نشرها.
أيضًا، إن احتمالات الفشل في الكتابة كثيرة، وأنا
واعية لهذه الاحتمالات، "للخطر" الذي يحف هذه العملية، وابتكرت طريقة لأحمي نفسي منه، كما لو كنت أخشى الوقوع في حفرة للصرف الصحي؛ ولعل هذا يفسر سلوكي الحذر في نشر ما أكتب، لا يمكن أن أحصر كل
الأفكار التي تملئني وتجعلني مترددة ألف ألف مرة أمام هذا الخيار،
غالبًا أنهي هذه المسألة بعدم النشر؛ لأنه الخيار الآمن. وإن "تهورت"
أعود لحذف المنشور ببساطة، دون أن أحتفظ بأي نسخ احتياطيَّة.
أفكر: قد لا تكون كتابتي جيدة كفاية،
ماذا لو لم انتبه لخطأ نحوي أو إملائي، هل أخطأت في اختيار علامة الترقيم المناسبة،
ماذا عن أصالة النص؟ على الأغلب لم أضف شيئًا يستحق أن يقرأ لهذه الفكرة، هل يعجب الناس
ما أكتبه، هل يجب أن يعجب الناس ما أكتبه، هل يمكن أن يتقبل أحد هذه الأصوات التي
تخرج من رأسي عبر يديّ؟
"لا
تبحث الآن عن الإجابات التي لا يمكن أن تعطى لك(...)الأمر يتعلق بأن تعيش كل شيء.
عش الأسئلة الآن" ريلكه.
الواقع.. أرى الفشل يحدق في وجهي الآن بينما أكتب هذه التدوينة، ويجب أن أعترف بالمخاوف التي سبقت إنشاء هذه المدونة، عدا عن النشر المستمر فيها، لكني سئمت من كوني عثرة لنفسي، ومن رؤية الآخرين يقومون بما أعجز عنه، ولذا اتخذت قرارًا بأن أفعلها؛ لأن خوفي من الخروج من منطقة الراحة لن يعود عليّ بشيء، ومنطقتي الآمنة هذه صارت "ضيقة".. ضيقة جدًا علي، وأنا لا أكبر ولا اتسع لأني خائفة؛ ولأن النمو يأتي من دفعنا لأنفسنا بعيدًا عن مخاوفنا.. لتكن نصوصي معيبة، وليكن نموي خارج مناطق الراحة عشوائيًا. أريد أن أتأمل الأذرع الجديدة التي ستنبت لي.. سأكتب بها قبل أن يكتمل نموها.. وسأنتظر أن يطول لساني لأقول ما أخاف أن أقوله، أريد أن استمتع بنقصي "البشري"، أن أمارس كل احتمالات بشريتي دون أن أخاف، أن استمتع برحلة النمو.. الناقصة والمتعثرة والمليئة باحتمالات الخطأ.
إن الطريقة الأنجع برأيي للتعامل مع الخوف من الفشل أو التحرر منه: أن أتحرر أولاً من الشعور بالخجل والعار من مشاعري، أن لا أتعامل مع فشلي كما لو كان وصمة عار، أن أغفر لأخطائي، وأن أتصالح مع طبيعتي البشرية "الناقصة" ثانيًا، أن أتوقف عن "الحسابات"، ومحاولة السيطرة على المواقف، توقع المخاطر، أن أدع الحياة تحدث لي كيفما جاءت، ومع هذا أعرف يقينًا عزيزي القارئ مدى صعوبة وقساوة هذه الرحلة، أعرف حجم الصراع الذي أخوضه مع نفسي كل يوم، وربما الذي تخوضه أنت أيضًا، أعرف طعم القلق والأرق والكوابيس الليليَّة، الاكتئاب ونوبات الهلع.. لذا لن أحاول أن أجعل من هذه الخاتمة كما لو كانت نصًّا مأخوذًا من كتب التنمية الذاتية المليئة بالهراء؛ لأني مؤمنة بأن الخلاص في أصله عملية نضالية؛ ذلك أنه حالة مستمرة من المقاومة، مقاومة أبالسة الكمال وظلمات الخوف.
أكتب هذه التدوينة وأنشرها عزيزي القارئ رغم كونها برأيي "فشل" كتابي ذريع.. لأني أقاوم..
دعواتي القلبية لكل الخائفين والخائفات في هذا العالم.
20
أبريل 2023م.
"لذلك،
سيدي العزيز، لم أجد لك نصيحة إلا تلك: تعمَّق في ذاتك، وابحث في أعماقها التي
تنبع منها حياتك، ففي نبعها ستجد الإجابة، عن السؤال ما إذا كان عليك أن تُبدع. خذها
كما تبدو، من دون تأويل. ربما يتضح عندها أنك خُلقت لتكون فنّانًا... ستجد حياتك
على أي حال من تلك اللحظة طرقًا خاصة بها، وأتمنى، أكثر ما يمكنني قوله، أن تكون
تلك الطرق جيدة وغنية ورحبة".
ريلكه،
رسائل إلى شاعر شاب.


تعليقات
إرسال تعليق