بكائيات: "يومٌ لينقلب المرء على نفسه".
أكره هذا المزاج.. الجاف كحلقي أول الصحو، عندما يتلبسني لا أفكر في شيء واحد، لا أعمل، لا أنجز، مزاج يستثقل كل شيء حتى التمدد على الأريكة بجانب أمي، مزاج بارتبلي النسَّاخ بالكثير جدًا من "أفضِّل ألَّا".. المهم، بحثت عنه، كانت أول نصيحة قرأتها: "لا تقاوم هذا الشعور"، ياللغرابة! أكره الذين يقدمون النصائح بالمناسبة، أكره أسلوب النصح العربي؛ لأنه فج مثل مزاجي اليوم.
على عكس ما قال صاحب النصيحة أحاول مقاومة هذا المزاج؛ ولذا اسمع الآن playlist لأحدهم، تتكون من أجزاء صغيرة من أغاني أم كلثوم وحليم ونجاة الصغيرة، دقائق من كل أغنية، تعجبني هذه الشذرات الغنائية، لا توصلني أبدًا إلى "السلطنة" المطلوبة لكنها تمر سريعًا بكل الأغاني التي أحب سماعها، يعجبني أن تبدأ الأغنية من منتصفها وأن تنقطع فجأة، أن تصبح الأغنية كلها ومضة غنائية تختفي فور ظهورها.
على ذكر هذا.. أفكر في طفولتي، لا أعلم لم تبدو الأشياء ضبابية حين أفكر فيها، ورغم أني لا أذكر منها مشاهد كثيرة، إلا أن بعضها يظهر فجأة من العدم كالومضة الغنائية السابقة، أكثرها حميمية لي.. مشاهد السفر برًّا إلى مكة، الجلوس في المقعد الخلفي مع الحقائب المحمَّلة بالهدايا، التي نحاول أن نبقي فيها مكانًا شاغرًا لكل الهدايا التي سنعود محملين بها بعد انتهاء الإجازة، لا يقوم أبي بتشغيل الأغاني في السيارة أبدًا؛ لا يعجبه أن تسمع بناته أغان سخيفة تحرّض على الحب؛ ولكي يسلي نفسه أثناء القيادة يبدأ هو بالغناء، نوع غنائي شهير عند القبائل الحجازية يسمى "طرق الجبل"، غناء مليء بالشجن، لا أفهم منه شيئًا؛ لأن الكلمات تكون عادة باللهجة المالكية التي لم أعتد سماعها في سنين حياتي الأولى في الريَّاض، كان غناء يشبه البكاء أو العديد، يبدو حين يغني وكأنه يتفجع على شيء أو يئن من خسارة شيء، لم أفهم مطلقًا ما يقول ولم أعرف أبدًا أنا المولعة بالغناء تقليد تلك الألحان، كان لصوت أبي الثقيل المليء بالشجن تأثيرًا منومًا لطفلة مثلي، لذا كانت تلك الرحلات تنقضي ما بين النوم والصحو وطرق الجبل.
يزعجني أني لا أملك لأبي اليوم أي مقطع وهو يغني بطرق الجبل؛ عندما كنت أصغر لم أحرص على تسجيله، لم أعي وقتها طبيعة انفلات الأيام، كنت أظن أن تلك الرحلات الصيفية ستستمر أبدًا، وسأعيش الحالة ذاتها مرارًا، لكن عمتي ماتت ولم يعد يغري أبي السفر إلى الحجاز بعدها؛ هكذا بقيت تلك المشاهد في ذاكرتي فقط، لم تعد تحدث.. أتذكر تلك الساعات الثمان من الريَّاض إلى مكة بحميمية لا مثيل لها، ربما -إن غيرت رأيي في مسألة الإنجاب- قد أشاهد نفسي أُهدهِد طفلي بطرق الجبل يومًا.
أمنية: أن استبدل هذه الـplaylist بصوت أبي وهو يغني طرق الجبل ربما أفهم اليوم بعد هذه السنين سبب تلك البكائيات.
24 مايو
______________
2-
أريد أن أفكر كامرأة كبيرة، عاقلة، تبلغ من العمر الآن 27 عامًا، أن أكون رزينة أمام أبي الذي يخبرني بصوت أقرب إلى الهمس أن أمي مريضة: "ورم في المبايض"، أريد أن استوعب الخبر بسرعة، أن آخذ شكل الموقف، أن أتصرف كما يملي علي صوته.. بالثبات: "خلكم طبيعيات، كأنكم ما تعرفون"، ظننت طيلة الوقت أن لي طبيعة سائلة، تستطيع أخذ شكل أي موقف بسرعة، لكني بقيت جامدة لأيام، حتى اليوم، يالبلاهة كل شيء.. كنت كمن يتعلم المشي للمرة الأولى، بينما يُطالبه العالم بأن يعدو في كل الاتجاهات، حاصروني بالخبر، وبأعينهم التي تطلب مني أن أتصرف مثل "الكبار"، أن أهضم خبرًا كهذا بسرعة وأعطي ردة فعل صابرة وراضية ردة فعل تتناسب مع المتوقع، أمليت على نفسي ما قال طويلاً: "خلكم طبيعيات" هذا كل ما علي فعله، أن أكون طبيعية، أن أتصرف وأتكلم وأمشي كما العادة..
لكن العالم قد انقلب للتو، فكيف أكون طبيعية؟ ما الطبيعي الذي يريد أبي مني أن أظهر أكبر قدر منه؟
كيف يمكن أن أتعامل مع حقيقة مرض أمي؟ ماذا أقول لها؟ أبكي؟ أصبر؟
قالت لي صديقتي: "ادعوا لها
بالشفاء"، كنت سأرد عليها: "مم؟".
لا شيء يشبه وحشة هذه الأيام، كما لو أن العالم كله قد مرض أيضًا، أحس بالقسوة حتى في جلدي.. إذ تتحول المسامات المفتوحة مخابئ للألم؛ الألم يهدد كل شيء أصلاً. مر علي منشور يقترح قراءة الأدب في أوقات الأزمات، لم يخطر ببالي شيء لأقرأه، والواقع أن محاولات التجاوز والتخطي عند مرض أو موت من أحب، تبدو كأنها خيانة له ولألمه؛ لذا يعذبني التعب والذنب...
هاجس: يفترض أن أبكي الآن، أن أبدأ بالنواح لكني جامدة وأبحث عن تكنيكات للتعامل مع الألم.. أخشى يا الله أن يسحبني هذا الألم إلى الهاوية!

تعليقات
إرسال تعليق