موظفة سطحيّة.
بعد انقطاعٍ طويل عن الكتابة، تلح علي رغبة العودة اليوم.. أفكر.. هل فقدت لياقتي؟ هذا في حال كنت أملكها أصلاً؛ إذ لن يفقد الإنسان شيئًا لم يملكه قبلاً.. حسب المنطق!
إذن.. هل امتلكتها؟
....
اليوم أكمل عشرة أيام منذ بدأت العمل في شركةٍ بصفتي كاتبة للمحتوى.. عشرة أيام من الاحتكاك المتواصل بالبشر بعد أن اعتدت أن احتك معهم من خلف الشاشات.. بعد أن كانوا شخصياتٍ دراميّة أو كرتونية.. أوقات عطالة طويلة.. انعزال أطول.. لقد ظننت طيلة هذا الوقت أني تحولت إلى كائنٍ متوحش.. لا يمكنه التعايش مع البشر، أو إنشاء علاقات طبيعية بسيطة.. إدارة حوار فارغ حول أنواع القهوة، أو درجة الحرارة في الرياض.
عشرة أيام.. كنت أتحدث أكثر من اللازم بالنسبة لموظفة لم تكمل بعد شهرًا في عملها الجديد، سأقول أني تأملت نفسي قبل أن تبدأ تأملات الناس من حولي تتكثف على زجاج نظارتي..
كنت أتكلم دون تلكؤ.. حتى أني استخدمت تعبيرات لم استخدمها من قبل.. من أين خرجت هذه الكلمات؟ وأين كانت تختبئ مني؟؟؟
لقد كنت مندهشة من نفسي.. بعد سكوتٍ دام طيلة سنوات العطالة، كنت أتكلم بشراهة.. كما لو كنت أسكت قسرًا.. أي شيءٍ أسكتني أصلاً؟
لقد تكلمت.. عن كل شيء.. كل شيء لم أفكر أن أتكلم عنه أو فيه، هل كنت أتخيل -قبل عشرة أيام من اليوم- أني سأتكلم لأكثر من عشر دقائق حول أفضل وجهة سياحية في العالم؟ أنا التي لم أركب طائرة من قبل؟
يبدو الناس هنا سعداء.. أو ربما يتقنوا التصرف كما لو كانوا سعداء. إنهم يقهقهون في كل الممرّات، لقد استنكرت ذاتي الصامتة تكرار كل هذه الضحكات.. حتى أني شعرت ذات مرة أن الجدران اهتزت، أقسم أني شعرت بذلك في نقطة عميقة منّي.. فكرت: ما الذي يدفعهم إلى كل ذلك الضحك.. كل يوم.. يضحكون.. يشجعون بعضهم.. يصفقون لبعضهم.. ما الذي يحرّكهم؟
كان ذلك أكثر من اللازم لطبيعتي المتوحشة!
يريد الناس هنا أن يبدوا أكثر مهنيّة، مرحًا، سعة، أو هم كذلك فعلاً! إنهم لا يتحرّجون من إظهار سعادتهم، والضحك مع الجنس الآخر، يتبادلون الضحك والنكات والمزاح، القهوة، والأكل، تحايا الصباح والمساء، إنهم يتشاركون المشهد الذي كانوا يرفضونه منذ مدة ليست طويلة.
لقد كنت أتحول إلى برج مراقبة يرصد حركات الموجودين.. حركة أجسادهم.. أفواههم.. أصواتهم
يحلل.. يفكر.. يسأل ويساءِل.
ما الذي يحدث في هذا المكان بالله عليكم؟ هل كان العالم ورديًا دائمًا هكذا.. أم كنت أنا أكثر سوادًا وانغلاقًا؟
٢٩ أغسطس ٢٠٢٤
تعليقات
إرسال تعليق